فصل: تفسير الآية رقم (6):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (5):

{فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5)}
{فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ} أي أهلكهم الله تعالى وقرأ زيد بن علي فهلكوا بالبناء للفاعل {بالطاغية} أي الواقعة المجاوزة للحد وهي الصيحة لقوله تعالى في هود {وأخذ الذين ظلموا الصيحة} [هود: 67] وبها فسرت الصاعقة في حم السجدة أو الرجفة لقوله سبحانه في الأعراف: {فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة} [الأعراف: 78] وفي الزلزلة المسببة عن الصيحة فلا تعارض بين الآيات لأن الإسناد في بعض إلى السبب القريب وفي بعض آخر إلى البعيد والأول مروى عن قتادة قال أي بالصيحة التي خرجت عن حد كل صيحة وقال ابن عباس وأبو عبيدة وابن زيد ما معناه الطاغية مصدر فكأنه قيل بطغيانهم وأيد بقوله تعالى: {كذبت ثمود بطغواها} [الشمس: 11] والمعول عليه الأول لمكان قوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (6):

{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6)}
{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} وإيضاح ذلك أن الآية فيها جمع وتفريق فلو قيل أهلك هؤلاء بالطغيان على أن ذلك سبب جالب وهؤلاء بالريح على أنه سبب آلي لم يكن طباق إذا جاز أن يكون هؤلاء أيضًا هلكوا بسبب الطغيان وهذا معنى قول الزمخشري في تضعيف الثاني لعدم الطباق بينها وبين بريح لا أن ذلك لأن أحدهما عين والآخر حدث وما ذكر من التأييد لا يخفى حاله وكذا يرجح الأول على قول مجاهد وابن زيد أيضًا أي بسبب الفعلة الطاغية التي فعلوها وهي عقر الناقة وعلى ما قيل الطاغية عاقر الناقة والهاء فيها للمبالغة كما في رجل راوية وأهلكوا كلهم بسببه لرضاهم بفعله وما قيل أيضًا بسبب الفئة الطاغية ووجه الرجحان يعلم مما ذكر ومر الكلام في الصرصر فتذكر وهو صفة ريح وكذا قوله تعالى: {عَاتِيَةٍ} أي شديدة العصف أو عتت على عاد فما قدروا على ردها والخلاص منها بحيلة من استتار ببناء أو لياذ بجبل أو اختفاء في حفرة فإنها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم والعتو عليهما استعارة وأصله تجاوز الحد وهو قد يكون بالنسبة إلى الغير وقد لا يكون ومنه يعلم الفرق بين الوجهين وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه أنه قال لم تنزل قطرة إلا كيال على يدي ملك إلا يوم نوح فإنه أذن للماء دون الخزان فطغى الماء على الخزان فخرج فذلك قوله تعالى: {إنا لما طغى الماء} [الحاقة: 11] ولم ينزل شيء من الريح إلا كيال على يدي ملك إلا يوم عاد فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت فذلك قوله تعالى بريح صرصر عاتية عتت على الخزان وفي «صحيحي البخاري» ومسلم وغيرهما ما يوافقه فهو تفسير ما ثُور وقد حكى ذلك في الكشاف ثم قال ولعلها عبارة عن الشدة والإفراط فيها وخرج ذلك في الكشف على الاستعارة التمثيلية ثم قال إن المثل إذا صار بحيث يفهم منه المقصود من دون نظر إلى أصل القصة جاز أن يقال أنه كناية عنه كما فيما نحن فيه وجوز أن يكون هناك تشبيه بليغ من العتو وهو الخروج عن الطاعة وقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (7):

{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)}
{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ} إلخ استئناف جيء به بيانًا لكيفية إهلاكهم بالريح وجوز أن يكون صفة أخرى وأنه جيء به لنفي ما يتوهم من أنها كانت من اقترانات بعض الكواكب ببعض ونزولها في بعض المنازل إذ لو وجدت الاقترانات المقتضية لبعض الحوادث كان ذلك بتقديره تعالى وتسببه عز وجل لا من ذاتها استقلالًا والسبب الذي يذكره الطبائعيون للريح تكاثف الهواء في الجهة التي يتوجه إليها وتراكم بعضه على بعض بانخفاض درجة حرارته فيقل تمدده ويتكاثف ويترك أكثر المحل الذي كان مشغولًا به خاليًا أو بتجمع فجائي يحصل في الأبخرة المنتشرة في الهواء فتخلو محالها وعلى التقديرين يجري إلى ذلك المحل الهواء المجاور بقوة ليشغله فيحدث ويستمر حتى يمتلئ ذلك الفضاء ويتعادل فيه الهواء فيسكن عند ذلك ويتفاوت سيرها سرعة وبطأ فتقطع الريح المعتدلة على ما قيل في الساعة الواحدة نحو فرسخ والمتوسط فيها نحو أربعة فراسخ والقوية نحو ثمانية فراسخ وما هي أقوى منها نحو ستة عشر فرسخًا وما هي أقوى ويسمى العاصف نحو سبعة عشر فرسخًا وما هي أقوى وتسمى المؤتفكة نحو تسعة وعشرين فرسخًا وقد تقطع في ساعة نحو ستة وثلاثين فرسخًا وهذا أكثر ما قيل في سرعة الريح وقد عملوا آلة يزعمون أنها مقياس يستعلم بها قوة هبوب الريح وضعفه وهذا غير بعيد من النوع الإنساني ويقال فيما ذكروه من السبب نحو ما سمعت آنفًا ومعنى سخرها عليهم سلطها عز وجل بقدرته عليهم {سَبْعَ لَيَالٍ وثمانية أَيَّامٍ حُسُومًا} أي متتابعات كما قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وأبو عبيدة جمع حاسم كشهود جمع شاهد من حسمت الدابة إذا تابعت كيها على الداء كرة بعد أخرى حتى ينحسم فهي مجاز مرسل من استعمال المقيد وهو الحسم الذي هو تتابع الكي في مطلق التتابع وفي الكشف هو مستعار من الحسم عنى الكي شبه الأيام بالحاسم والريح لملابستها بها وهبوبها فيها واستمرار وصفها أبو صفها في قولهم يوم بارد وحار إلى غير ذلك بفعل الأيام كل هبة منهاكية وتتابعها بتتابع الكيات حتى يحصل الانحسام أي استئصال الداء الذي هو المقصود والمعنى بعد التلخيص متتابعة هبوب الرياح حتى أتت عليهم واستأصلتهم أو نحسات مشؤمات كما قال الخليل قيل والمعنى قاطعات الخير بنحوستها وشؤمها فمعمول حسومًا محذوف أو قاطعات قطعت دابرهم وأهلكتهم عن آخرهم كما قال ابن زيد وقال الراغب الحسم أزال أثر الشيء يقال قطعه فحسمه أي أزال مادته وبه سمي السيف حسامًا وحسم الداء إزالة أثره بالكي وقيل للشؤم المزيل لأثر ما ناله حسوم وحسومًا في الآية قيل حاسمًا أثرهم وقيل حاسمًا خبرهم وقيل قاطعًا لعمرهم وكل ذلك داخل في عمومه فلا تغفل وجوز أن يكون حسومًا مصدرًا لا جمع حاسم وانتصابه إما بفعله المقدر حالًا أي بحسمهم حسومًا عنى تستأصلهم استئصالًا أو على العلة أي سخرها عليهم لأجل الاستئصال أو على أنه صفة أي ذات حسوم وأيدت المصدرية بقراءة السدي حسومًا بفتح الحاء على أنه حال من الريح أي سخرها مستأصلة لتعين كونه مفردًا على ذلك وهي كانت أيام العجوز من صبح الأربعاء لثمان بقين من شوال إلى غروب الأربعاء الآخر وإنما سميت أيام العجوز لأن عجوزًا من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن وأهلكتها أو لأنها عجز الشتاء فالعجوز عنى العجز وأسماؤها الصن والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفئ الجمر ومطفئ الظعن ولم يذكر هذا الثامن من قال إنها سبعة لا ثمانية كما هو المختار {فَتَرَى القوم} أي إن كنت حاضرًا حينئذ فالخطاب فيه فرضي {فِيهَا} أي في الأيام والليالي وقيل في مهاب الريح وقيل في ديارهم والأول أظهر {صرعى} أي هلكى جمع صريع {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ} أي أصول نخيل وقرأ أبو نهيك أعجز على وزن أفعل كضبع وأضبع وحكى الأخفش أنه قرئ نخيل بالياء {خَاوِيَةٍ} خلت أجوافها بلى وفسادًا وقال ابن شجرة كانت تدخل من أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم فصاروا كأعجاز النخل الخاوية وقال يحيى بن سلام خلت أبدانهم من أرواحهم فكانوا كذلك وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال كانوا في سبعة أيام في عذاب ثم في الثامن ماتوا وألقتهم الريح في البحر فذلك قوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (8):

{فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)}
{فَهَلْ ترى لَهُم مّن بَاقِيَةٍ} أي بقية على أن الباقية اسم كالبقية لا وصف والتاء للنقل إلى الاسمية أو نفس باقية على أن الموصوف مقدر والتاء للتأنيث وقال ابن الأنباري أي باق والهاء للمبالغة وجوز أن يكون مصدرًا كالطاغية والكاذبة أي بقاء والتاء للوحدة.

.تفسير الآية رقم (9):

{وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9)}
{وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ} ومن تقدمه من الأمم الكافرة كقوم نوح عليه السلام وفيه تعميم بعد التخصيص فإن منهم عادًا وثمودًا وقرأ أبو رجاء وطلحة والجحدري والحسن بخلاف عنه وعاصم في رواية أبان والنحويان وأبان ومن قبله بكسر القاف وفتح الباء أي ومن في جهته وجانبه والمراد ومن عنده من اتباعه وأهل طاعته ويؤيده قراءة أبي وابن مسعود ومن معه {والمؤتفكات} أي قرى قوم لوط عليه السلام والمراد أهلها مجازًا بإطلاق المحل على الحال أو بتقدير مضاف وعلى الإسناد المجازي والقرينة العطف على من يتصف بالمجيء وقرأ الحسن هنا والمؤتفكة على الإفراد {بِالْخَاطِئَةِ} أي بالخطأ على أنه مصدر على زنة فاعلة أو بالفعلة أو الأفعال ذات الخطا العظيم على أن الإسناد مجازي وهو حقيقة لأصحابها واعتبار العظم لأنه لا يجعل الفعل خاطئًا إلا إذا كان صاحبه بليغ الخطأ ويجوز أن تكون الصيغة للنسبة.

.تفسير الآية رقم (10):

{فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10)}
{فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبّهِمْ} أي فعصى كل أمة رسولها حين نهاها عما كانت تتعاطاه من القبائح فإفراد الرسول على ظاهره وجوز أن يكون جمعًا أو مما يستوي فيه الواحد وغيره لأنه مصدر في الأصل وأريد منه التكثير لاقتضاء السياق له فهو من مقابلة الجمع المقتضى لانقسام الآحاد أو أطلق الفرد عليهم لاتحادهم معنى فيما أرسلوا به والظاهر أن هذا بيان لمجيئهم بالخاطئة {فَأَخَذَهُمْ} أي الله عز وجل: {أَخْذَةً رَّابِيَةً} أي زائدة في الشدة كما زادت قبائحهم في القبح من ربا الشيء إذا زاد.

.تفسير الآية رقم (11):

{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11)}
{إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء} جاوز حده المعتاد حتى أنه علا على أعلى جبل خمس عشرة ذراعًا أو طغى على خزانه على ما سمعت قبيل هذا وذلك بسبب إصرار قوم نوح عليه السلام على فنون الكفر والمعاصي ومبالغتهم في تكذيبه عليه السلام فيما أوحي إليه من الأحكام التي من جملتها أحوال القيامة {حملناكم} أي في أصلاب آبائكم أو حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم على أنه بتقدير مضاف وقيل على التجوز في المخاطبين بإرادة أبائهم المحمولين بعلاقة الحلول وهو بعيد {فِى الجارية} في سفينة نوح عليه السلام والمراد بحملهم فيها رفعهم فوق الماء إلى انقضاء أيام الطوفان لا مجرد رفعهم إلى السفينة كما يعرب عنه كلمة في فإنها ليست بصلة للحمل بل متعلقة حذوف هو حال من مفعوله أي رفعناكم فوق الماء وحفظناكم حال كونكم في السفينة الجارية بأمرنا وحفظنا وفيه تنبيه على أن مدار نجاتهم محض عصمته عز وجل وإنما السفينة سبب صوري وكثر استعمال الجارية في السفينة وعليه.
رية في بطن جارية...

.تفسير الآية رقم (12):

{لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)}
{لِنَجْعَلَهَا} أي الفعلة التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين {لَكُمْ تَذْكِرَةً} عبرة ودلالة على كمال قدرة الصانع وحكمته وقوة قهره وسعة رحمته {وَتَعِيَهَا} أي تحفظها والوعي أن تحفظ الشيء في نفسك والإيعاء أن تحفظه في غير نفسك من وعاء {أُذُنٌ واعية} أي من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه بتذكره وإشاعته والتفكر فيه ولا تضيعه بترك العمل به وعن قتادة الواعية هي التي عقلت عن الله تعالى وانتفعت بما سمعت من كتاب الله تعالى وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي كرم الله تعالى وجهه أني دعوت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي قال علي كرم الله تعالى وجهه فما سمعت شيئًا فنسيته وما كان لي أن أنسى وفي جعل الأذن واعية وكذا جعلها حافظة ومتذكرة ونحو ذلك تجوز والفاعل لذلك إنما هو صاحبها ولا ينسب لها حقيقة إلا السمع والتنكير للدلالة على قلتها وإن من هذا شأنه مع قلته بنسيب لنجاة الجم الغفير وإدامة نسلهم وقيل ضمير نجعلها للجارية وجعلها تذكرة لما أنه على ما قال قتادة أدركها أوائل هذه الأمة أي أدركوا ألواحها على الجودي كما قال ابن جريج بل قيل إن بعض الناس وجد شيئًا من أجزائها بعد الإسلام بكثير والله تعالى أعلم بصحته ولا يخفى أن المعول عليه ما قدمناه وقرأ ابن مصرف وأبو عمرو في رواية هرون وخارجة عنه وقنبل بخلاف عنه وتعيها بإسكان العين على التشبيه بكتف وكبد كما قيل وقرأ حمزة بإخفاء الكسرة وروى عن عاصم أنه قرأ بتشديد الياء قال في البحر قيل هو خطأ وينبغي أن يتأول على أنه أريد به شد بيان الياء احترازًا ممن سكنها لا إدغام حرف في حرف ولا ينبغي أن يجعل ذلك من التضعيف في الوقف ثم أجرى الوصل مجرى الوقف وإن كان قد ذهب إليه بعضهم وروى عن حمزة وموسى بن عبد الله العبسي وتعيها بإسكان الياء فاحتمل الاستئناف وهو الظاهر واحتمل أن يكون مثل قراءة {من أوسط ما تطعمون أهاليكم} [المائدة: 89] بسكون الياء وقرأ نافع أذن بإسكان الذال للتخفيف.